أحمد بن علي القلقشندي

220

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المسالك ، وارتقت هممه إلى الشّمس والقمر والنّجوم وما أشبه ذلك ، من حصل الوثوق به في أشرف مملكة لدينا ، وأفضل ما يعرض في دولتنا الشريفة من أعمالها الصالحة علينا : وهي الَّتي قعدت من الجبال على مفارقها ، واتّصلت من النّجوم بعلائقها ، وتحدّرت الغمائم من ذيولها ، وطفت على السماء وطافت على الكواكب فجرت المجرّة من سيولها ، وكان الكرك المحروس هو المراد ، ومدينته التي لم يخلق مثلها في البلاد ، وقلعته تتشكَّى الرّياح لها طلوع واد ونزول واد ؛ وهي أرض تمتّ بأنّها لنا سكن ، ونمّت مناقبها بما في قلوبنا من حبّ الوطن ، واستقرّت للمقامات العالية أولادنا - أعزّهم اللَّه بنصره - فانتقلت من يمين إلى يسار ، وتقابلت بين شموس وأقمار ، وجاد بها البحر على الأنهار . فلمّا خلت نيابة السلطنة المعظمة بها عرضنا على آرائنا الشّريفة من تطمئنّ به القلوب ، ويحصل المطلوب ، وتجري الأمور به على الحسنى فيما ينوب ، وتباري عزائمه الرياح بمرمى كل مقلة وهزّة جيد ، ولا يشكّ في أنّه كفوّ هذه العقيلة ، وكافي هذه الكفالة الَّتي ما هي عند اللَّه ولا عندنا قليلة ، وكافل هذه المملكة الَّتي كم بها بنيّة أحسن من بنيّة وخميلة أحسن من خميلة ، من كان من أبوابنا العالية مطلعه ، وبين أيدينا الشّريفة لا يجهل موضعه ؛ طالما تكمّلت به الصفوف ، وتجمّلت به الوقوف ، وحسن كلّ موصوف ، ولم تخف محاسنه الَّتي هو بها معروف ؛ كم له شيمة عليّة ، وهمّة جليّة ، وتقدمات إقدام بكلّ نهاية غاية مليّة ، وعزائم لها بنعته مضاء السّيف وباسمه قوّة الحديد وهي بالنسبة إليه ملكيّة ؛ وكان المجلس العالي - أدام اللَّه نعمته - هو لابس هذه البرود الَّتي رقمت ، والعقود الَّتي نظمت ، وجامع هذه الدّرر الَّتي قسمت ، والدّراريّ الَّتي سمت إلى السماء لما وسمت ، وهو من الملائك في الوقار ، وله حكم كالماس وبأس يقطع الأحجار ، وهو ملك نصفه الآخر من حديد كما أنّ للَّه ملائكة نصفهم من الثّلج ونصفهم من نار ، وهو الَّذي اقتضت آراؤنا الشريفة أن نجعله في خدمة ولدنا - أمتعه اللَّه ببقائنا - نائبا بها ، وقائما بحسن منابها ، والمتصرّف فيها بين أيديه الكريمة ، والمتلقّي دونه لأمورها الَّتي قلَّدنا بها عنقه أمانة عظيمة .